أبو نصر الفارابي

54

الجمع بين رأيي الحكيمين

الكتاب هندي الأصل كتبه أحد البراهمة حوالي عام 300 م ، وكانت الغاية منه تعليم الحكمة للملوك بواسطة الأمثال . ثم نقل هذا الكتاب إلى الفهلوية ( الفارسية القديمة ) الطبيب برزويه ، تلبية لطلب كسرى أنوشروان ( 521 - 579 م ) وزاد عليه أمثالا هندية أخرى . ونقل هذا الكتاب من الهندية إلى السريانية حوالي عام 570 م القس بود النسطوري باسم « كليلج ودمنج » . اما ابن المقفع فقد مهد لترجمته بمقدمة وأضاف إليها بعض أمثال من تأليفه . ويذكر ابن النديم في « الفهرست » : « قد كانت الفرس نقلت في القديم ( عن الروم ) شيئا من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية ، فنقل ذلك إلى العربي عبد اللّه بن المقفع وغيره » . ويذكر ابن صاعد ( في طبقات الأمم ص 47 وما بعدها ) : « ان أول ما اعتنى به من علوم الفلسفة ، علم المنطق والنجوم ؛ فاما المنطق ، فأول من اشتهر به في هذه الدولة عبد اللّه بن المقفع الخطيب الفارسي ، كاتب أبي جعفر المنصور ، فإنه ترجم كتب ارسطوطاليس المنطقية الثلاثة التي في صورة المنطق ، وهي كتاب « قاطاغورياس » وكتاب « باري ارميناس » وكتاب « أنولوطيقا » . وذكر انه لم يكن ترجم منه إلى وقته الّا الكتاب الأول فقط ، وترجم مع ذلك المدخل المعروف « بايساغوغي » . لفورفوريوس الصوريّ وعبّر عما ترجم من ذلك عبارة سهلة قريبة المأخذ ، وترجم مع ذلك الكتاب الهندي المعروف « بكليلة ودمنة » وهو أول من ترجم من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية » . اما في الرياضيات فقد اتصل المسلمون بالهند واخذوا عنهم قبل ان يتصلوا باليونان . فيذكر « ان وفد من الهند وفد على أبي جعفر المنصور سنة 154 ه وفيهم رجل ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها وسائر اعمال الفلك على مذهب أمته ، وخصوصا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية ( الهندية القديمة ) اسمه « براهمسبهطسدهانت » الفه سنة 628 م ( 6 أو 7 ه ) الفلكي الرياضي « برهمكبت » ، فكلّف المنصور ذلك الهندي باملاء مختصر الكتاب ، ثم امر بترجمته إلى اللغة العربية ، وباستخراج كتاب منه تتخذه العرب أصلا في حساب حركات الكواكب ، وما يتعلق به من الاعمال ، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري ، وعمل منه زيجا اشتهر بين علماء العرب ، حتى أنهم لم يعملوا الّا به إلى أيام المأمون حيث ابتدأ مذهب بطليموس في الحساب والجداول الفلكية » « 1 » وقد اقتصر العرب على الجزء الأخير من الاسم السابق وهو « سدهانت » ثم حرّفوه قليلا وسموه « السند هند » .

--> ( 1 ) الأستاذ نللينو في كتابه « علم الفلك وتاريخه عند العرب » ص 149 - ويقول الأستاذ نللينو ان المسلمين ترجموا كتابا ثانيا اسمه « الاركند » وثالثا اسمه « الارجبهر » . ويضيف قائلا : « وكفى ذلك دليلا على شدة تأثير كتب الهند في أوائل نمو علم الفلك عند العرب - انظر صاعد الأندلسي : طبقات الأمم ص 49 ؛ 50